محمد سعيد رمضان البوطي
316
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
طالما أرادوا به الكيد وشفوا بإيذائه غليل أحقادهم عليه ، وهو لا يريد بهم إلّا الخير والسعادة والرشد في الدنيا والآخرة ، طالما فرحوا بمنظر النكبة والضّر يرى متلبسا بهما ، ولكنه لم يفرح لهم إلا بنعمة الخير والإسلام إذ أكرمهم بهما اللّه ! . . ترى ، أهذا كله طبيعة بشرية في إنسان ، يدعو إلى مبدأ يراه أو عقيدة قد تخيّرها ؟ ! أما إنها ليست إلا طبيعة النبوّة . . وليست إلا من أثر تطلّعه عليه الصلاة والسلام إلى هدف واحد فقط ، هو أن تؤتي هذه الدعوة ثمارها فيلقى ربه وهو عنه راض . وما أهون الآلام والنكبات كلها في هذا السبيل ، وما أعظم الفرحة إذ يجتاز العبد تلك المفاوز كلها ويستقر عند هذا الهدف الجليل ! . . وذلك هو الإسلام : لا يعرف حقدا ولا ضغينة ولا يريد شرا بإنسان . يأمر بالجهاد ، ولكن في غير ضغينة وحقد . يعلّم القوة ، ولكن في غير أنانية وكبر . يدعو إلى الرحمة ، ولكن في غير مهانة أو ضعف . ويعلّم الحب ، ولكن في سبيل اللّه وحده . إذن ، لقد كان وفد ثقيف ، والوفود الأخرى التي تلاحقت متجهة إلى المدينة داخلة في الإسلام ، كان كل ذلك وفاء بوعد ( النصر العزيز ) الذي وعد اللّه به رسوله . * * * تلك هي العبرة التي ينبغي أخذها من قصة هذه الوفود . أما الدروس والأحكام فإليك منها ما يلي : أولا - جواز إنزال المشرك في المسجد إذا كان يرجى إسلامه وهدايته : فقد رأيت أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم كان يستقبل وفد ثقيف في مسجده لمحادثتهم وتعليمهم ، وإذا كان هذا جائزا للمشرك ، فجوازه للكتابيّ أولى . وقد استقبل النبي صلّى اللّه عليه وسلم وفد نصارى نجران ، حينما جاؤوه لسماع الحق ومعرفة الإسلام . قال الزركشي : واعلم أن الرافعي والنووي رحمهما اللّه أطلقا أنه يجوز للكافر أن يدخل المساجد غير الحرم بإذن المسلم ، بقيود : أولها : أن لا يكون قد شرط عليه في عقد الذمة عدم الدخول ، فإن كان قد شرط عليه ذلك ، لم يؤذن له . ثانيها : أن يكون المسلم الذي أذن له مكلفا ، كامل الأهلية . ثالثها : أن يكون دخوله لسماع قرآن أو علم ورجي إسلامه ، أو دخل لإصلاح بنيان ونحوه ، وقضية كلام القاضي أبي علي الفارقي أنه لو دخل لسماع القرآن أو العلم وهو ممن لا يرجى